ابن قتيبة الدينوري

57

تأويل مشكل القرآن

وروي أن عليّا رحمه اللّه كان يقرأ : مثال الجنة أو أمثال الجنة ، وهو بمنزلة مثل ، إلا أنه أوضح وأقرب في أفهام الناس إلى المعنى الذي تأوّلناه في مثل . ونحوه قوله : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ، ثم قال : ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [ الفتح : 29 ] أي ذلك وصفهم ، لأنه لم يضرب لهم مثلا في أوّل الكلام ، فيقول : ذلِكَ مَثَلُهُمْ وإنما وصفهم وحلّاهم ، ثم قال : ذلِكَ مَثَلُهُمْ أي وصفهم . وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ، ثم قال : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [ الحج : 73 ] ، ولم يأت بالمثل ، لأن في الكلام معناه ، كأنه قال : يا أيها الناس ، مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت لأن تخلق ذبابا لم تقدر عليه ، وسلبها الذباب شيئا فلم تستنقذه منه . ومثل هذا في القرآن وكلام العرب أشياء قد اقتصصناها في ( أبواب المجاز ) . وأما قوله : وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) [ الرعد : 40 ] . فإنه لم يرد أن عليك البلاغ بعد الوفاة كما ظنّوا ، وإنما أراد : إن أريناك بعض الذي نعدهم في حياتك ، أو توفيناك قبل أن نريك ذلك - فليس عليك إلا أن تبلّغ ، وعلينا أن نجازي . ومثل هذا : رجل بعثته واليا وقلت له : سر إلى بلد كذا فادعهم ، فإن استجابوا لك فأحسن فيهم السيرة ، وابسط المعدلة ، وإن عصوك فعظهم وحذّرهم عقاب المعصية ، فإن أقاموا على الغواية أعلمتني ليأتيهم النّكير . فصار إليهم فمانعوه ، ووعظهم فخالفوه ، وأقام حينا مستبطئا ما أوعدتهم به ، فقلت : إن أريناك ما وعدناهم من العقوبة أو عزلناك قبل أن نريك ذلك - فليس لك أن تستبطئنا ، إنما عليك التّبليغ والعظة ، وعلينا الجزاء والمكافأة . وأما قوله : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] . وقوله : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ الأحزاب : 10 ] . وقوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [ الأنفال : 5 ] . وقوله : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 ) [ القلم : 16 ] . فقد ذكرنا الجواب عن ذلك في ( باب المجاز ) ، وكرهنا إعادته في هذا الموضع وستراه هناك كافيا ، إن شاء اللّه .